‏إظهار الرسائل ذات التسميات Apologetics. إظهار كافة الرسائل

مسار خروج موسى النبي والشعب من مصر


قد رأينا مؤخراً بعض الأقاويل والهبد التاريخي في مسار خروج بني إسرائيل من مصر. فبدل الطريق المعتاد الذي يصل بنا الي دير

سانت كاترين في نهايته لزيارة جبل حوريب او جبل سيناء او الطور فله اسماء عديدة. تجد نفسك بعد هذا الهبد التاريخي في الضفة المقابلة من خليج العقبة! 
ومن افترى هذه الفرية أحد السياح الامريكيين مدعي العلم ادعى أنه وهو يقوم برياضة الغطس في نويبع المصرية أنه اكتشف شواهد لبعض العجلات الفرعونية غارقة في قاع البحر! بل اتيح لهذا الرجل وانا عالم تمام أنه ليس له درجة علمية أن يصور وثائقي لهذا الاكتشاف وينشره. واضيف لهذا بعض الرتوش من جغرافية المكان في نويبع ووجود معبد فرعوني بجانبة لتكتمل العلامات الجغرافية المكتوبة في الكتاب المقدس من حصن مجدل إلى معبد بعل صفون. لكن أساس البناء كله اكتشاف العجلات البحرية في قاع نويبع وهو له ألف تفسير غير احداث الخروج. هذا وإن صح هذا الأثر من الأصل!


ومن بعد هذا النشر ومع بعض أموال الدعاية، اصبح لمسار الخروج بل وجغرافية الكتاب المقدس كلها خغرافية موازية. يبنى عليها فرضيات وتفسيرات. فبدل وجود جبل سيناء في سيناء أصبح يوجد جبل اخر يسمي جبل اللوز في الضفة المقابلة. وهكذا كل المعالم مثل برية فاران وآبار وادي إيليم وحتى نقطة التجمع سكوت أول الرحلة. أصبح مختلف ع مكانها مع أن الأثار المصرية تدل عليها بسهوله.


رأيت الكثير من الردود العلمية وغير العلمية علية لكني بعد فحص وتمحيص كثير وجدت أن المكان الذي يصفة
هذا المدعي للعبور بعمق ١٠٠٠م وعرض أكثر من ٢٠ كم. بعد الكثير من البحث في هذا الادعاء.. اكتشفت أنه لا يوجد ادعاء اصلا! هو فقط رخص أحد مدعي العلم من أجل الشهرة والمال والحب الظهور. اجيال من الشباب في دوامة بسبب هكذا هبد.
كل هذا بسبب هبد أحد مدعي العلم من محبي المصيف والغطس 🙂 أصبح مكان عبور بني إسرائيل هو نويبع المصرية. ولن أسهب في تهزيق هذا المدعي الرخيص بافتراض اني من الممكن أن أكون مخطئ في النهاية. لكن من مثلة يُشتري بالف دولار على الأكثر ويمكن أن يجعل رمسيس الثالث حاكما لمدغشقر إن أردت. والكثير والكثير من الهري المقدس قد بني فوق هذا الهبد التاريخي. فلكل عالم اكتشاف وافتراضية -وان لم تكن ناضجة بعد- لكننا نحن في سباق بأسم العلم!.. اكثر من ٣٠ سنة جدال بسبب هذا "الاكتشاف" في قاع نويبع.



مكان العبور في خليج السويس

قناة سيزوستريس هي قناة مائية أنشئت في عهد سنوسرت الثالث عام 1850 ق.م لتربط ما بين البحر الأحمر والبحر المتوسط عن طريق النيل سميت هذه القناة قناة سيزوستريس (التسمية الأغريقية لسنوسرت) وانشأ امتدادها واسماها قناة (كبريت) أدى ذلك إلى ازدياد حركة التجارة مع مصر وبلاد بونت وبين مصر وجزر البحر المتوسط (كريت وقبرص). كان ذراعي القناة تمتد من الفرع البيلوزي من دلتا النيل بالقرب من مدينة باستيت في الزقازيق بالشرقية وهو أحد فروع القديمة المندثرة من الدلتا وتمر غربا بوادي الطميلات ومدينة بيتوم في الإسماعيلية ثم تتجه جنوبا وتتصل بالبحيرات المرة ومنها إلى خليج السويس عبر قناة كبريت المائية.

حادثة تاريحية تشابه حادثة الخروج!

في الحملة الفرنسية على مصر وهي حملة عسكرية قام بها الجنرال نابليون بونابرت على الولايات العثمانية مصر والشام (1798-1801م) بهدف الدفاع عن المصالح الفرنسية، منع إنجلترا من القدرة على الوصول للهند، وكذلك كان للحملة أهداف علمية. كانت بداية الحملة هي حملة البحر المتوسط (1798)، حدث شئ غريب في منتصف الحملة! فمع هدوء مصر ووقوعها تحت سيطرة ابليون بونابرت، استغل بونابرت هذا الوقت لزيارة السويس ورؤية بعينيه القناة (المعروفة باسم "قناة سيزوستريس" أو "قناة الفراعنة") التي يقال أنه قد تم حفرها في العصور القديمة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط بأمر من الفراعنة. قبل أن ينطلق في رحلة الاستكشاف، أعاد للقاهرة حكمها الذاتي، وحل ديوان جديد مكون من 60 عضوًا محل اللجنة العسكرية.


بعد ذلك، برفقة بيرتهوليت، غاسبار مونج، لو بير، دوتير، كوستاز، كافاريللي، ومتبوعا بـ 300 شخص، انطلق بونابرت إلى البحر الأحمر وبعد ثلاثة أيام من السير عبر الصحراء وصل إلى السويس. بعد إعطاء الأوامر لاستكمال التحصينات في السويس، عبر بونابرت البحر الأحمر وانتقل في 28 ديسمبر 1798 إلى سيناء للبحث عن جبال موسى الشهيرة على بعد 17 كيلومترًا من السويس. وعند عودته، فوجئ بالمد والجزر، وواجه خطر الغرق. عند عودتهم إلى السويس، وبعد الكثير من الاستكشاف، حققت البعثة هدفها، حيث عثرت على بقايا القناة القديمة (قناة سيزوستريس) التي أمر بحفرها سنوسرت الثالث ونخاو الثاني.

Western Science Myths

- They told you: the ancient people thought that the world was "flat", and that the Church persecuted those who said the earth was round ...
This is false propaganda.



Pythagoras, who wrote in Greek before Christ, confirmed that the earth is round. (570 - 495 BC). Likewise, Plato and Aristotle (384 - 322 BC) emphasized the sphericity of the Earth.
In the Bible, the following verse reads: “He sits enthroned above the circle of the earth” (Isaiah 40:22) -NIV
Considering that the official Roman language was Greek Roman, they studied this heritage well and understood that the Earth was spherical centuries before the West understood this fact.
Also, the double-headed eagle, the symbol of the ancient Rome, holds a "Globus Cruciger" Orb in its hand.
- They also told you, that the ancient people thought the Earth was fixed and that it was the center of the universe, and that the sun revolved around the earth. And they taught you that the Church persecuted the scholars who considered the sun the axis of the universe. (Such as Nicolaus Copernicus and Galilee).
This is also false propaganda.
This is because the attackers only looked at the Latin Church of the West .. and generalized .. they did not look at the Greek Churches of the East.
The truth is that Aristarchus of Samos (310-230 BC) wrote in Greek centuries ago about "the centrality of the sun" and said, "The earth revolves around the sun and around itself, and from this rotation it alternates night and day."
As for his teacher, Philolaus (470 - 385 BC), he affirmed that the universe is very broad and that Earth is not the center of the universe. Likewise, Seleucus of Seleucia, a Greek philosopher from the second century BC, affirmed that "the earth revolves around the sun."
It is true that the ancient Greek scholars did not agree on this theory, and it is true that the West did not know these facts until late (in the sixteenth and seventeenth century with Nicolaus Copernicus 1473-1543 AD, and Galilee 1570-1612 AD), and it is true that the Western Latin Church persecuted scholars for a while... .
However, in the East, especially in the Byzantine Rome, because of their Roman (Greek) language, studied all this prolific scientific output of the ancient philosophers of Greece, and passed it on to new generations.
The Byzantine Roman Church accepted science, and did not persecute the scholars. Rather, the universities of Constantinople taught this ancient philosophical product and prepared the world for the age of reason.
The scholars considered that the fall of Constantinople, "the capital of Byzantine Romans" in 1453 AD, emigrated its scholars to Western Europe to flee from the Ottomans, carrying with them thousands of ancient Greek "Roman" manuscripts, which the West studied ... so it produced its scientific revolution ... and gave birth to Nicolaus Copernicus and Galilee..

تاريخ الخروج من مصر من مصادر فرعونية - الجزء الثالث

 جنونك اليوم قد يكون نبوة لابنائك غدا!

نعم. ولا ينطبق هذا على أخناتون فقط! لكن إيمان المصريين القدماء بالحياة الآخرة والحساب والعقاب بعد الموت وصل بهم ان يلاقوا الاحترام اللائق بالملوك بعد 3500 سنة من موتهم في #موكب_المومياوات_الملكية الذي شهدناه لهم في شوارع القاهرة امس.. وهذا درب من الخيال بالتأكيد!

في الأجزاء السابقة تكلمنا عن الملك أحمس ومولد النبي موسى ودخول بني ابينا يعقوب مصر معهم بحثا عن الرزق والطعام وهرباً من المجاعة وكيف رُتب ليوسف ان يكون عزيز مصر ونجاته من أخوته، ليكتب الله النجاة لهم به بعد ذلك..
الجزء الأول هنا:
https://orthozoxiya.blogspot.com/2021/04/blog-post.html والجزء الثاني هنا:
وفي الجزء الأخير سنتكلم عن اخناتون! هذا الاسم لأغرب ملوك الدنيا فله قصة كلها غموض: فلماذا يقوم ملك بمناصبة رعيته العداء من اجل فكر جديد! هل كان سياسي طامع في السيطرة الكاملة أم درويشاً راهباً؟ ماذا كان ينقص هذا الرجل وزوجته ليحاولا تغير معتقد راسخ في الدولة المصرية منذ الف سنة؟ لغز محير لحكم دام 17 سنة منهم ثمن سنين بناء تحسب من سنته الرابعة وخمس سنين الأخيرة في وباء منهم ثلاث سنين تحت الحجر بعد تركة الحياة في طيبة والإعتكاف بعاصمته الجديدة اخيتاتون جنوب الوادي (تل العمارنة في محافظة المنيا)
لنحكي حكاية الملك اخناتون. لكن أولاً يجب ان نؤكد ان مصر لم تكن دائما رمزاً للعناد بل على العكس كانت دائما بلد ملجئ لكل من يحتاج اليها. بل ان معظم الأنبياء دخلوها ليس فقط من اجل الطعام والقمح كما حدث مع إبراهيم النبي وبني يعقوب، بل وهرباً أحياناً أخرى من بطش الحكام والاعداء كما حدث مع السيد المسيح نفسة ومن قبلة ارميا النبي وسيدنا اسماعيل مع امه هاجر وغيرهم.. بل وزارها نبي الله إيليا وداوود النبي والملك سليمان أيضا لو احتسبنا زيارة جبل سيناء كزيارة دينية للعبادة والاعتكاف.
اختصاراً، معظم انبياء الله قد لجأوا الى مصر القريبة لهم ولم تبخل مصر عليهم بالرزق والأمن والسكينة، الا في حالة موسى النبي، وقد حكينا ظروف هذه القصة من جهة المصريين والملك أحمس وتحتمس.. وهي كلها مبررة وفي ثياقها الطبيعي الغير شرير او السئ. وحتى في قصة الخروج جبر الله خاطر بني يعقوب قبل الخروج وامرهم ان يطلبوا من المصريين ذهباً ثمن تعبهم، فيقول النص: وَأُعْطِي نِعْمَةً لِهذَا الشَّعْبِ فِي عِيُونِ الْمِصْرِيِّينَ. فَيَكُونُ حِينَمَا تَمْضُونَ أَنَّكُمْ لاَ تَمْضُونَ فَارِغِينَ. بَلْ تَطْلُبُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا وَمِنْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا، وَتَضَعُونَهَا عَلَى بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ.
وبما ان هذه القصة وقعت في الشرقية وهي المحافظة الأكثر كرماُ في مصر، لا استعجب من احداثها، فمكتوب ان المصريين الشرقوه ودعوا جيرانهم العبرانيين باعارتهم ذهبهم لمشاق الطريق.. وفوق الذهب دموعهم بالطبع. وكلنا نعلم لو حدثت هذه القصة في أقاليم أخرى كالمنوفية او أسيوط مثلا، من المؤكد ان هذا الوضع قد يمكن يكون مختلفاً قليلاً!.. او حتى لن تكون هناك قصة من الأساس! حيث ان اهل هذة الإقاليم في احسن الأحوال لن يتركوا لاحد شيء ناهيك عن من ناصبوهم العداء.
بل اكثر من هذا، أوصى كاتب التوراة العبرانيين بأن لا يكرهوا لا مصريا ولا ادومياً (ادوم سكان صحراء النقب والأردن) بما أنهم كانوا نزلاء بأرض مصر وبعد ان اخذوا اجرتهم من اجل تصفية العداء يقول لهم كاتب النص: لاَ تَكْرَهْ أَدُومِيًّا لأَنَّهُ أَخُوكَ. لاَ تَكْرَهْ مِصْرِيًّا لأَنَّكَ كُنْتَ نَزِيلًا فِي أَرْضِهِ. بل أوصى أيضا كاتب التورة العبرانيين بقبول المصري والأدومي في جماعة الرب في جيلهم الثالث! وهذا يعتبر الاستثناء الوحيد في بني الامم: لأَوْلاَدُ الَّذِينَ يُولَدُونَ لَهُمْ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ يَدْخُلُونَ مِنْهُمْ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ.
وأخيراً، تعلمت مصر من ازمة الهكسوس دروس كثيرة أهمها يالطبع الدفاع المتقدم عن حدود البلاد او ما يعرف بالعمق الاستراتيجي. فبعد الملك أحمس وتحرير الشمال، أصبحت سياسة حكام مصر توسعية بهدف تأمين المملكة، فمثلا غزا تحتمس الثالث الشام والنوبة بل وعين حكام له هناك ليحكموا بأسمه ويكونوا حلفاء له (والملك سليمان كان حليف فرعون بزواج من ينات فرعون). من مجدو في الشام شمالا الى ارضي النوبة والسودان جنوباً وحتى قبائل ليبيا كانت في حيز السيطرة المصرية. وتعلمت أيضا مصر أهمية ضبط وتأمين الحدود من الاغراب. وسياسات التعامل مع الأجانب والمهاجرين.. واغلب الظن أن السنين التيه كانت في عهد هذا الرجل تحتمس الثالث!
نرجع اللى قصة ملكنا المجنون.. او النبي؟، عُرفت مصر بأنها ارض الشمس وكان كل حكامها يحكمون باسم معبودها أمون رع اله الشمس منذ القدم. وحتى اله القمر كان من الأله الغير شعبية في مصر. لكن قرر اخناتون ان يوحد كل الأله في "اتون" وهو أيضا اله الشمس! ويرمز له بقرصها.. لكن بشرط الغاء كل اشكال الاله الصغرى والكبرى الموجودة في ارض مصر وقتها!
وهو ما لم يكن غريب فقط. بل من الجنون ان يعبد اله واحد في هذا الزمن. فحاول توحيد آلهة مصر القديمة حيث تعددت الآلهة التي تعبد في مناطقها المختلفة بما فيها الإله الأكبر أمون رع؛ في شكل الإله الواحد آتون. ونقل العاصمة من طيبة الي عاصمته الجديدة أخيتاتون بالمنيا (تل العمارنة). وغير اسمة من "أمون حتب" الى "اخن اتون" في العام الخامس لحكمة.. وزوجته كانت توافقة في هذا التغيير الذي لا نعرف كيف حدث فحتى جيرانه الموحدين كاليهود لم يكن التوحيد تمكن فيهم بعد، فكلنا نعرف انهم قبلوا التوحيد بعد ضربة الشتات.
الاعجب من هذا رفض هذا الملك لنحت شكلة وتصويرة بطريقة محسنة بجسم قوي كما هو معتاد. بل بالعكس اصر على الحقيقة كما هي او ما يعرف بالفن الواقعي. وتم تصويره ونحته بترهلات السن وشفاه غليظة ووجه طويل كما كان شكلة. هذا الفكر التوحيدي بلا أي شك عندي انه كان تحت تأثير خارق للطبيعة او معجزة أو تعاليم مبكرة مجهولة المصدر. فنحن لا نعرف احد في مصر من قبلة او من بعدة علم بما قال اخناتون. بل ظل في حياته وبعد وفاتة يدفع ضريبة هذا الختلاف!



وفي النهاية، يجب علينا ان نذكر ان اخناتون اعتكف في نهاية حياته بمدينته بتل العمارنة، اعتكاف اقرب الى الزهد. وحدث هذا بعد السنة 12 لحكمه، وتذكر المصادر ان الوباء ضرب مصر بعد هذه السنة.. ودليلنا في زهد اخناتون هو مخزن المراسلات السياسية الذي وجدناه في تل العمارنة. وفيه مراسلات بشتى اللغات المعروفة وقتها، من حكام أقاليم خارجية في بلاد الشام وارض كنعان وحكام النوبة جنوباً. ومنهم استغاثة من حاكم أورشليم واسمه "عبد هيبه" من هجوم قبائل العبيرو (العابره او الهجامة) علية بعنوان "التجاهل الملكي". وهناك طلب اخر لعجلات حربية لزوم اخافة الأعداء فقط بأظهار ان الجيش المصري يساندهم في معاركهم.. لكن ملكنا الزاهد لم يهتم كثيراً!!! حتى انه تم تعين حاكم موازي للبلاد في اخر ثلاث سنوات من حكمة. وارغام ابنه توت عنخ امون على الارتداد عن عبادة آتون وجحد والدة اخناتون بعد موته. بل وتغير اسمة من "توت عنخ اتون" الى "توت عنخ امون" وترك اخيتاتون جنوباً بل وهدمها وازالة كل اثر لها.

تاريخ الخروج من مصر من مصادر فرعونية - الجزء الثاني

 سفر الخروج: ثُمَّ قَامَ مَلِكٌ جَدِيدٌ عَلَى مِصْرَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ.

وهو اشارة لملوك المصريين الجدد عند تحريرهم البلاد من قبضة الهكسوس وسياستهم التي اتسمت بالتعامل العنيف الذي يأخذ شكل الانتقام اكثر منه حذر من الغرباء والأجانب. حتى وصل لمحاولة القضاء على الاطفال والرضع.
ومكتوب في اول السفر على لسان فرعون مصر الجديد:
«هُوَذَا بَنُو إِسْرَائِيلَ شَعْبٌ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنَّا. هَلُمَّ نَحْتَالُ لَهُمْ لِئَلاَّ يَنْمُوا، فَيَكُونَ إِذَا حَدَثَتْ حَرْبٌ أَنَّهُمْ يَنْضَمُّونَ إِلَى أَعْدَائِنَا وَيُحَارِبُونَنَا وَيَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ» .فَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهُمْ بِأَثْقَالِهِمْ، فَبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَتَيْ مَخَازِنَ: فِيثُومَ، وَرَعَمْسِيسَ.
وقد استعرضنا في الجزء السابق قصة الاغراب الأسيوين في مصر، وطمعهم في حكم البلاد بعد ان لجؤوا اليها هرباً من المجاعات.
https://orthozoxiya.blogspot.com/2021/04/blog-post.html ونذكر هنا المعضلة الوحيدة لهذا التحليل، وهى ادعاء الملك رمسيس الثاني انه هو من بنا مدينة رعمسيس الذي كتب عند اليهود انهم قد بنوها لفرعون قبل الخروج. ورمسيس هذا تاريخة بعد أحمس بما لا يقل عن من 170 الى 250 سنة. وهذا يهدم تحليلنا واستنتاجاتنا من أساسها!
لكن هناك يظل احتمال ان هذا الملك رمسيس كاذب!.. وليست رواية التوراة!!.. فبالبطع رمسيس كأي سياسي قدير عُرف عنه سرقة انجزات بعض من من سبقوه حتى ان الباحثة الاثرية آريكا فيليج قد وثقت سرقة الملك رمسيس لأنجاز بناء معبد الكرنك ونسبة لنفسة، وسرقة هذا الانجاز من الجيل الذي سبقه، وهو هنا والده الملك سيتي الأول.
وعلية، ادعاء ان رمسيس هو الملك الذي قام ببناء مدينة رعمسيس او PI-RAMSIS على انقاض مدينة أفريس قد يكون ليس دقيقا تماما! فهي مدينة كانت قائمة بالفعل ومكتوب عنها: فَبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَتَيْ مَخَازِنَ: فِيثُومَ، وَرَعَمْسِيسَ.
واليهود هنا كتبوا عن مدينة مخازن صغيرة وليست عاصمة بحجم رعمسيس. فقد يكون رمسيس تحدث عن استكمال بناء مدينة كبيرة كعاصمة جديدة قد وضع حجر الأساس لها اليهود قبل خروجهم اذلالاً.
وقد يجادل احد ان الاسم المدينة رعمسيس نفسة لا يمكن ان يكون وجد قبل الملك رمسيس نفسة. وهذا غير صحيح فأسم رمسيس اسم ديني ومتداول تكريما للأله رع اله الشمس وسوف تجد قبل الملك رمسيس الثاني مستشارين ورجال دولة ورجال دين بنفس الأسم.
دليل اخر على حسن استنتاجنا وهو دليل قائم بالكلية على نصوص التوارة! فيذكر الكتاب انه من الخروج حتى بدء العمل في بناء هيكل سليمان 480 سنة كاملة!
وَكَانَ فِي سَنَةِ الأَرْبَعِ مِئَةٍ وَالثَّمَانِينَ لِخُرُوجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِمُلْكِ سُلَيْمَانَ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فِي شَهْرِ زِيُو وَهُوَ الشَّهْرُ الثَّانِي، أَنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ لِلرَّبِّ.
وبحساب معقد نعرف ان الملك سليمان ملك سنة 970 ق.م، ونحن نعرف من الكتاب (ملوك أول 6) ان الملك سليمان بدء البناء في حوالي سنة 967 / 965 ق.م.
وعلية تصبح سنة الخروج حسب التوارة 1447/1445 ق.م في فترة حكم الملك تحتمس الثالث وهو بالمناسبة لم يغرق في اليم اثناء مطاردة اليهود. ولم يدعى الكتاب المقدس هذا بل قال فَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَ أَتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ. .. ولم يقل انه اغرق فرعون الخروج.
وبالمناسبة.. يعلمنا النص الكتابي ان من يوسف ونزول بني إسرائيل الى مصر (قصة الدخول) حتى الخروج مع موسى 430 سنة: وَأَمَّا إِقَامَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَقَامُوهَا فِي مِصْرَ فَكَانَتْ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً. وعلية يصبح فرعون يوسف هو امنمحات الثاني، فرعون مصري أصيل، وليس من الهكسوس. وله وزير هو سا إسي ذات التاريخ المهني المميز فبدء حياته حاجباً للملك، ثم كبير خدم الملك، ثم خازن الدولة في قصة تشبه الى حد كبير قصة يوسف النبي!
علما ان سن سيدنا موسى عند الخروج كان 80 عام! فمات عن عمر 120 سنة منهم 40 في صحراء التية مع بني إسرائيل و 40 عام أخرى هارب من مصر عند حماه يثرون أبو صفورة (عصفورة الجميلة السوداء) كاهن مدين، بعد مقتل المصري، مدافعا عن اخية العبراني كما نعرف من القصة التقليدية.
فتحسب من 1445/1447 ق.م ثمانين عام لتجد نفسك سنة 1525/1527 في مدة الملك احمس ملك مصر الذي هزم وطرد الهكسوس حوالي سنة 1530 ق.م ولم يكن يعرف يوسف. وقد يكون تعامل مع بقايا الأسيوين في البلاد من منطلق التخوين كما اسلفنا فمكتوب انه قال «هُوَذَا بَنُو إِسْرَائِيلَ شَعْبٌ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنَّا. هَلُمَّ نَحْتَالُ لَهُمْ لِئَلاَّ يَنْمُوا، فَيَكُونَ إِذَا حَدَثَتْ حَرْبٌ أَنَّهُمْ يَنْضَمُّونَ إِلَى أَعْدَائِنَا وَيُحَارِبُونَنَا وَيَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ» .فَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهُمْ بِأَثْقَالِهِمْ، فَبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَتَيْ مَخَازِنَ: فِيثُومَ، وَرَعَمْسِيسَ..
وفي الجزء القادم والاخير نستكمل الحديث عن اعجوبة الاعاجيب أخناتون ملك مخبول ام نبي!!؟


معلم الكنيسة يوحنا الذهبي الفم


➕ الميلاد والنشأة والتعليم:

وُلِدَ يوحنا في أنطاكيا عام 349م، لأبوين يونانيين من سوريا، لم تتفق المصادر التاريخية ما إذا كانت الوالدة وثنية أم مسيحية، أما الأب فكان ذا رتبة عسكرية رفيعة، توفِّيَ بعد ميلاد يوحنا بفترة بسيطة فتحملت الوالدة مسئولية ترتبيته.

نال يوحنا سر المعمودية مابين عامي 368م إلى 373م، ورُسمَ فيما بعد قارئً. لكنه تلقّىَ تعليمه عن يد معلم وثني يُدعىَ "ليبانيوس"، الذي أورثه كثيراً من إتقان علم البلاغة، كما كان سبب حبه للغة اليونانية وللشعر والأدب. وعندما صار شاباً شُغِل بالإيمان المسيحي وبدأ دراسة اللاهوت عن يد "ديودور الطرسوسي" مؤسس مدرسة إعادة تشكيل أنطاكية، ووفقاً لما أورده المؤرخ المسيحي "سوزومين"، فإن معلمه "ليبانيوس" قال وهو على فراش الموت: ((إن يوحنا سيكون خليفتي في البلاغة والشعر والأدب، مالم تأخذه المسيحية منّا)).

إزداد تعلق يوحنا بشخص يسوع المسيح وانغمس في النُسك والزُهد الشديد وهو بعمر الخامسة والعشرين ليكون أكثر شفافية واستماع لصوت الله، فالتزم السهر في الصلاة وقراءة الكتاب المقدس إلى حد الحفظ، والنوم القليل، والصوم لفترات طويلة. ونتيجة لهذه الممارسات، إعتلت صحته وأصيبت معدته وكليتاه بعطب شديد، فاضطر للعودة إلى أنطاكيا.

➕ الخدمة الشموسية في أنطاكيا:

رُسمَ يوحنا شماساً عام 381م، عن يد أسقف أنطاكيا "ميليتيوس الأنطاكي". الذي لم يكن في شركة مع كنيستي روما والإسكندرية. توفي "ميليتيوس الأنطاكي" بعد رسامة يوحنا الشموسية بقليل، فانفصل يوحنا عن باقي تلاميذ ميليتيوس، لكنه لم ينضم لتلاميذ خليفته على كرسي الإيبارشية "پولينيوس" وبعد وفاة الأخير تمت الرسامة الكهنوتية ليوحنا عن يد الأسقف الأنطاكي الجديد"إيڤاجريوس".

عُهِدَ إلى الأب يوحنا، بالمشاركة في جهود المصالحة بين بطريرك أنطاكية "فلاڤيانوس الأول" من جهة وبين كنيسة روما ومن ثم الإسكندرية من جهة أخرى، واستطاع تقريب القيادات وتمت صلاة قداس مشترك بينهم يُعلن عن الشركة بينهم، في سابقة لم تحدث منذ ما يقرب من سبعين عام، بسبب انشقاق حدث على عهد ميليتيوس الأنطاكي.

في أنطاكيا ما بين عامي (386م إلى 397م)، إكتسب يوحنا شعبية كبيرة بسبب قدرته على الوعظ ببلاغة، في الكنيسة الذهبية، كاتدرائية أنطاكيا، وخاصة شروحاته الكتابية وتطبيقها على التعليم الأخلاقي، كما كان يعظ عملياً بإهتمامه الشديد بحاجات الفقراء المادية والروحية، مع تركيزه الشديد على التعليم الإجتماعي ومناقشة ظواهر سوء استخدام الثروة والممتلكات الشخصية.

ونذكر هنا جزءاً من تعليمه الإجتماعي:

((هل ترغب في تكريم جسد المسيح؟ .. لا تتجاهله عندما يكون عارياً.
لا تعطيه الإجلال والإحترام في الكنيسة فيما ترتدي الحرير، وتتركه في الطرقات يعاني البرد بثيابٍ بالية.
من قال "هذا جسدي.." ، هو من قال "جُعت فلم تُطعموني" وقال "كل ما فعلتموه بإخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم".
ما الفائدة من تناول الأسرار المقدسة، على مذابح يزينها الذهب بينما أخيك يموت جوعاً ؟! فلتبدأ بسدّ جوع الفقير ثم بعد ذلك قُم بتزيين المذبح.))
فهمه المباشر للنصوص الكتابية – بعكس اسلوب التفسير الإستدلالي الذي كانت تميل له المدرسة الإسكندرانية – جعله دائم التطبيق والتنظير بين تعليم الإنجيل والحياة العملية، وكان شديد الإهتمام بالأوضاع الإجتماعية والتحنُّن على الفقير، فأكسبه هذا شعبية كبيرة ميزته عن سائر وُعّاظ عصره.

[التفسير الإستدلالي للكتاب المقدس هو أن يضع المفسِّر في الإعتبار تعدد مستويات المعنى، حيث تُراعىَ المجازية والمعنوية في تحليل النص، ولا تحاول أن تجعل من النص أمر مباشر بفعل الشئ حرفياً إلا في الحالات التي تنطبق عليها هذه الفكرة، بالتالي يرى أصحاب هذه المدرسة أن النص كانه عربة رومانية لها عجلتين تسير بأربعة خيول (الروحية، والأخلاقية، المعنوية والحرفية) ومن هنا تم تسميتها باسم العربة الرومانية "Quadrigaكوادريجا".
ويُذكر عن أثر عظاته واقعة شهيرة حدثت أثناء بداية خدمته بأنطاكيا، أنه بمجرد وصوله حدثت مشكلة كبيرة احتاجت أن يتدخل فيها "فلاڤيانوس" أسقف أنطاكيا، حيث كان عليه تهدئة الموقف بين الإمبراطور " ثيودوسيوس الأول" وبين جموع غاضبة من الأنطاكيين أقدمت على تحطيم تمثال للإمبراطور.

وإذ حلّ الصوم الكبير لعام 387م، أقدم يوحنا على إلقاء أكثر من 20 عظة على مدار أسابيع الصوم، تنصبّ على التعليم الأخلاقي والتوبة والعيش بالإنجيل، لدرجة أثرت في وثنيين كثيرين كانوا قد استمعوا له وقرروا اعتناق الإيمان المسيحي، مما أدىَ إلى هدوء ثورة الإمبراطور ثيودوروس الأول وتخفيف العقوبات عن مرتكبي حادث تحطيم التمثال، وكأن سلاماً إجتماعياً حلّ على الجميع بفعل عظات يوحنا، ومن وقتها صارت شهرته "يوحنا ذهبي الفم".

➕ بطريرك القسطنطينية:

في خريف عام 397م، تم تجليس يوحنا الذهبي الفم بطريركاً على كرسي القسطنطينية، على أثر ترشيحاً من "يوتروپيوس" خصيّ الإمبراطور "ثيودوسيوس الأول" دون أن يعلم يوحنا شئً عن الأمر.

وبعد الإستقرار على تنصيبه بطريركاً للقسطنطينية، كان عليه أن يغادر أنطاكيا سرّاً بسبب المخاوف من أن رحيل مثل هذا الرمز الروحي ذو الشعبية الكبيرة والذي من شأنه أن يسبب اضطرابات بالمدنية.

خلال فترة بطريركيته، كان يرفض بشدّة حضور ملتقيات الطبقة الإجتماعية الثرية وذات النفوذ السياسي، والتي كانت تنفق ببذخ على الملذات والضيافات، حتى لا يفقد تواصله مع الفئة الشعبية البسيطة من الناس العاديين، فأصبح يملك ودّ الفئة المتواضعة من الشعب ولا يحاول حتى أن يخطب ودّ الطبقة العليا منه، وبعض الإكليروس أيضاً، فكان غير محبوب لديهم.

أما عدم ودّه مع الإكليروس (الكهنة تحديداً) فإنحصر في التشديد عليهم بعدم جني استفادة مادية تصل إلى حد تكوين ثروات من خدمتهم، مما جعله يأمر الكهنة المُنتدبين لكنائس أخرى بالعودة إلى رعاياهم الأصلية بعد انتهاء فترة إنتدابهم دون الحصول على أجر من الكنائس التي إنتُدِبوا إليها. إذ كان مستمراً في تطبيق التقشف على نفسه ومطالباً به جميع من كرسوا حياتهم للخدمة الكهنوتية.

كانت فترة بطريركيته في القسطنطينية أكثر اضطراباً من فترة خدمته في أنطاكيا، ليس فقط لأسباب إصلاحاته الداخلية ولكن لأسباب علاقاته مع الكنائس الأخرى: فقد كان بطريرك الإسكندرية في تلك الفترة " ثيوفيلوس" يرغب في إخضاع كرسي القسطنطينية إلى سُلطته الخاصة، وعندما تم ترشيح يوحنا الذهبي الفم، عارض هو ذلك بشدة لأنه سيصعب مهمته، لأن إخضاع كنيسة تقودها شخصية قوية التأثير والروح مثل يوحنا فم الذهب يعتبر مهمة مستحيلة.

كذلك كان تجليسه على غير رغبة "إليا إيودوكسيا" زوجة إمبراطور القسطنطينية "ثيودوسيوس الثاني" والتي كان لها دور يماثل دور الإكليروس من حيث كانت راعية للمؤمنين بقانون الإيمان النقيوي، كما كانت تقود مسيرات ليلية تنشد ترانيم بحقائق الإيمان المسيحي في مواجهة بدعة آريوس التي تنكر لاهوت المسيح، وكانت دائماً على رأس مُستقبلي زخائر الشهداء التي تُهدى لكنائس القسطنطينية إلا انها كانت تجني من ذلك الشهرة بالتقوى أمام الناس أكثر ما كانت تهدف إلى الشهادة للإيمان الصحيح، كما كانت ضمن الكارهين ليوحنا فم الذهب لكونه لا يحضر مُلتقيات الإمبراطور وحاشيته لما فيها من تعظم معيشة، كما كان ينتقد بصراحته المعهودة الجواهر والملابس الفاخرة التي كانت تتزين بها سيدات الطبقة الحاكمة، فكانت تعتبر هذه الإنتقادات موجهة لها شخصياً وتزداد كرهاً له. أما أول صِدام فعلي بين يوحنا فم الذهب وبينها هو إعدامها لخَصيّ الإمبراطور"يوتروپيوس" دون رحمة وبلا اتهام واضح لكن دافعها المستتر كان الإنتقام منه لتسببه في ترشيح يوحنا فم الذهب بطريركاً.

➕ مجمع السنديان (403م) والإخوة الأربعة الطوال:

كان من المفترض أن يُقام مجمع عام 402م بناءً على رغبة الإمبراطور "ثيودوسيوس الثاني" يُدعى فيه البطريرك السكندري للإعتذار إلى البطريرك القسطنطيني، فرفض "ثيوفيلس" ذلك بشدة وأخذ يخطِّط للإطاحة بيوحنا الذهبي الفم.

الإخوة الأربعة الطوال هم أربعة رهبان مصريين "آمونيوس" و"ديسكورس" و"يوسابيوس" و"إثيميوس"، من المنطقة الديرية بوادي النطرون، عاشوا في القرن الخامس الميلادي، إشتهروا بعيش نذورهم الرهبانية بحزم وجميعهم على دراية كبيرة بالكتاب المقدس، وقد اُطلِق عليهم "الأربعة الطوال" نظراً لطول قامتهم العلمية في الكتاب المقدس، ويقال أيضاً أن التسمية تعبر عن رغبتهم في الشهرة والظهور.

كان للأربعة رهبان موقفاً مؤيداً لبعض تعاليم "أوريجانوس السكندري" التي كانت مسار جدل في كنيسة الإسكندرية، وهي تعاليم لطالما رفضها البطريرك السكندري "ثيوفيلوس"، لكنه حاول استخدام درايتهم بتعاليم أوريجانوس وخبرتهم في الكتاب المقدس بأن يدينوا ويحرجوا يوحنا الذهبي الفم في مجمع السنديان الذي تحدَّد انعقاده في عام 403م بالقسطنطينية بأمر من "ثيوفيلوس" لعزل يوحنا الذهبي الفم عن كرسي القسطنطينية، وبرعاية "إليا إيودوكسيا" زوجة الإمبراطور القسطنطيني.

سافر الأربعة رهبان إلى القسطنطينية واستقبلهم البطريرك يوحنا أحسن استقبال، وتناقش معهم بمحبة كما سمعوا الكثير عن قداسته ولمسوها في حوارهم معه، وقرروا رفض مواجهته وإحراجه في المجمع، فما كان من البطريرك السكندري "ثيوفيلوس" إلا ان ذهب على رأس قوة عسكرية لدى عودة الرهبان الأربعة لأديرتهم قبل انعقاد المجمع وأحرق قلاياتهم وقبض عليهم وأساء معاملتهم، لكنهم تمكنوا من الهرب ولجئوا إلى البطريرك يوحنا الذهبي الفم طالبين الإقامة لديه وعدم العودة إلى مصر. فإتهم "ثيوفيلوس" يوحنا فم الذهب بأنه يتبنى تعاليم أوريجانوس، بشكل خاص لتواصله مع أوريجانوس نفسه ولإحتضانه للرهبان الأربعة.

وكتب "ثيوفيلوس" إلى "أپيفانيوس" أسقف سلاميس (قبرص حالياً) طالباً إليه أن يذهب إلى القسطنطينية ويصير ضدّ يوحنا فم الذهب لمنع انتشار أفكار وتعاليم أوريجانوس. ذهب "أپيفانيوس" بالفعل لكنه عندما اكتشف أن البطريرك السكندري "ثيوفيلوس" يستخدمه لأهواء شخصية وليس من أجل الإيمان، غادر القسطنطينة عائداً إلى سلاميس لكنه توفيَّ في الطريق.

أخيراً وقبيل بدء فاعليات مجمع السنديان، ظهر البطريرك السكندري "ثيوفيلوس" ولكن ليس وحده كما كان مطلوباً منه بل برفقة 29 أسقفاً مساعداً، وبحسب المؤرخ "پلاّديوس" وكثير من الأموال وكل أنواع الهدايا الثمينة أيضاً. ورافقه في هذه الرحلة إبن أخيه "كيرلس" (البطريرك كيرلس السكندري فيما بعد). واتخذ "ثيوفيلوس" مقر إقامته بأحد القصور الإمبراطورية بالقسطنطينية، وهناك التقى بكل خصوم البطريرك يوحنا فم الذهب وكل أصحاب الذمم الرخيصة التي يمكن شرائها بالمال، ليكونوا أسلحته في حربه على يوحنا.

وبدأت تُكتب قوائم الإفتراءات في صورة إتهامات موجهة ليوحنا فم الذهب، وتم اختيار أعضاء المجمع من 42 من البطاركة والأساقفة معظمهم سوريون ومصريون يعادون يوحنا فم الذهب أو تم شرائهم وتجنيدهم حديثاً لمعاداته، مع قلة من الواقفين على الحياد.

كان المجمع ظاهرياً لا يزال يحمل رغبة الإمبراطور القسطنطيني في محاكمة "ثيوفيلس" وتقديم الإعتذار ليوحنا ذهبي الفم، لكن الأمر كان مُعدّ عملياً للعكس تماماً.

"سيڤريان" أسقف جبالا السورية، أشد خصوم يوحنا ذهبي الفم صار ممثل الإدعاء في هذا السينودس، فرفض يوحنا فم الذهب أن يكون الخصم هو الحكم في نفس الوقت، ورفض الإعتراف بمشروعية هذه المجمع لعدم حياده، فتم عزله بعد رفضه المثول أمام هذا المجمع الظالم للمرة الثالثة فكان القرار بعزله عن كرسي القسطنطينية ونفيه.

أحدث قرار عزله عن كرسي القسطنطينية غضباً شديداً لدى الشعب، وبدأت مسيرات غاضبة تجوب الشوارع، عندها تم تهديد يوحنا الذهبي الفم بأنه إن لم يمتثل للقرار سيتم قتل المُحتجين في الشوارع، فإضطر خوفاً على الناس أن يستسلم للجنود المُكلفين بتنفيذ عزله ونفيه من القسطنطينية في اليوم الثالث للإحتجاجات.
إلا أن ازدياد غضب الشعب واستمرار احتجاجه رغم امتثال يوحنا للقرار، إلى جانب حدوث زلزال عنيف يوم استسلامه، جعل زوجة الإمبراطور تخاف وتطلب إعادة يوحنا فم الذهب إلى القسطنطينية مرة أخرى، خوفاً من أن يكون هذا غضب الرب عليها.

فدخل يوحنا الذهبي الفم العاصمة وسط فرحة عارمة من الشعب، أما "ثيوفيلس السكندري" وحزبه قفد أنقذوا أنفسهم بالفرار من القسطنطينية.

لم يدم السلام طويلاً بين يوحنا وزوجة الإمبراطور، التي تقرَّر تدشين تمثال ضخم لها، مصنوع من الفضة بجوار الكاتدرائية البطريركية التي هي مقر يوحنا فم الذهب، فباغتها مرة أخرى بحديث مباشر ينتقدها فيه قائلاً: ((وعادت هيروديا تهزي مرةً أخرى .. ترقصُ مرة أخرى .. تشعر بالضيق من يوحنا المعمدان مرة أخرى، وتشتهي أن يؤتىَ إليها برأسه على طبق مرة أخرى)).

➕ المنفىَ والموت:

تم الحكم بعزل يوحنا ونفيه مرة أخرى عام 404م إلى القوقاز في أبخازيا. بعد أن تكاتف كل خصومه من جديد، وهنا وصلت أخبار نفيه إلى الحبر الروماني "إنوسنتيوس الأول" (البابا القديس إنوسنتيوس الأول فيما بعد) الذي عارض هذا القرار بشدة، لكن دون جدوى، حيث أرسل "جودنتيوس" أسقف بريشا، وبصحبته إثنين من الأساقفة ليقوموا بجهود الوساطة لعودة يوحنا ذهبي الفم إلى كرسيه، إلا انهم فشلوا في مجرد محاولة دخول القسطنطينية!
توفيَّ يوحنا فم الذهب تحديداً في يوم 14 سبتمبر 407م بعمر الثامنة والخمسين، قبل أن يصل إلى وِجهة المنفى ورقد في الرب عند مدينة كومانا پونتيكا، وكانت آخر كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم التي قالها قبيل وفاته على الطريق إلى المنفى هي ((المجد لله على كل الأحوال!)).

نعاه أحد بطاركة القسطنطينية فيما بعد وهو البطريرك "پروكلس" (القديس پروكلس لاحقاً) قائلاً:
((لقد عشت حياة حزينة، لكن موتكَ كان مجيداً يا يوحنا، قبرك مُبارك، وجزائك عظيم لدى الرب، نعمة ربنا يسوع المسيح ورحمته تزينك، بعد أن اخترق حدود الزمان والمكان، وغزا الحب الفضاء، وذكراك الخالدة تتخطى الحدود، وبُعد المكان لن يحجب عنا معجزات قداستك)).

بعد جهود كبيرة تم استعادة زخائره المباركة لتوضع بإكرام تحت مذبح كنيسة الرسل الأطهار بالقسطنطينية عام 438م.

ترك القديس يوحنا الذهبي الفم لنا إرثاً ثميناً من العظات والتعليم الإجتماعي والليتورچيات، والمؤلفات الأدبية وكذلك الموسيقية المسيحية التي مازالت في ألحان الكنيسة البيزنطية حتى اليوم.
زخائره المقدسة موزعة بين روما والقسطنطينية.
هو شفيع القسطنطينية والوُعّاظ ودارسي الكتاب المقدس.
تعيد له الكنيسة الجامعة في 13 سبتمبر.

➕ تعليق: ماذا نتعلم من القصة؟

سؤالي للسادة الارثوذكس: ماذا لو لم تحدث الزلزلة يوم خروج البابا يوحنا ذهبي الفم من القسطنطينية بعد مجمع السنديان منفياً مظلوماً! .. دليل براءة القديس يوحنا كانت معجزة سماوية .. بغيرها كنا اليوم نصنف هذا الرجل في خانة الهراطقة الاوريجوانين التي حاربهم البابا ثاؤفيلس بابا الاسكندرية!؟

ثانيا، اليست هذه القصة دليل قوي على فساد السياسة ووجوب فصل الدولة عن الدين .. فللعلم حتى بعد ظهور برائته لم يدم السلام طويلاً بين القديس يوحنا وزوجة الإمبراطور، التي تقرَّر كيداً تدشين تمثال ضخم لها، مصنوع من الفضة بجوار الكاتدرائية البطريركية التي هي مقر يوحنا فم الذهب، فباغتها مرة أخرى بحديث مباشر ينتقدها فيه قائلاً: ((وعادت هيروديا تهزي مرةً أخرى .. ترقصُ مرة أخرى .. تشعر بالضيق من يوحنا المعمدان مرة أخرى، وتشتهي أن يؤتىَ إليها برأسه على طبق مرة أخرى)) فنفته إلى القوقاز .. فاي سلطة تتحمل مثل هذا النقد المباشر؟

ثالثا، اخطء اوريجانس في "بعض" الموضوعات البسيطة (نعم بسيطة في وجهة نظري) .. اخطئ ولكن هل كانت هذه الاخطاء "البسيطة" تستدعى حرم الرجل من شركة الكنيسة؟ في راي المتواضع محاكمة اوريجانوس كانت هي بداية الانحراف بداية ظهور بدعة الانشقاق وبدعة الحقد والغيرة بين المؤمنين وبدعة التعصب الكنسي..
فاخطاء اوريجانوس كان يمكن تصحيحها له ببساطة وهو كان متقبلاً لهذا كما حدث في محاكمته.. لكن كان هدف محاكمية هو انهاء اسطورته حقداً!

نعرف انه اخطء، لكن يجب ان يكون هناك حد أدنى من التسامح والتأني والترفق والحرص والمناقشة والمراجعة .. فليس الحكم على احد بالكفر مدعاه لبطولة او مجد او زهو .. ولا تعالج الأمور بهكذا فخر.
---
هذه الاسئلة مطلوب الرد عليها
---
قي النهاية شهادة حياته وبركة شفاعته فلتكن معنا. آمين.